المقريزي
212
المقفى الكبير
أنّ القاضي له من الثناء الجميل كثير ، ونحن شاكرون له ، معتذرون بجميله ، مفتقرون إلى جاهه في جميع أمورنا . واعتفاؤه من هذا الأمر لا يبرئه من ذمّنا إن وقفت حوائجنا ، ويكون الشكر فيه لغيره إن قضيت . وهذا الرجل عميد الملك هوذا يحمل الرجال عليه ويشعرهم أنّه يجهد في قضاء حوائجهم ، وأنّه يعترضه بما يبطلها عليهم ، وفي هذا الأمر ما يعلمه . فقل له عنّي : يا سيّدنا ، أمّا إذا تريد شكر الرجال وسلامة صدورهم لك وخلاص نيّاتهم في طاعتك ، فادخل في هذا الأمر ، فإن أحسنت عرفوا ذاك لك وشكروه منك ، وإن أسأت كان لك ضرره وشرّه . وإلّا فاعتزل جانبا ولا تلعب بروحك مع الرجال لئلّا يتلفك أبو الفضل . وإن أذن لي في المثول بحضرته ذكرت له ذلك . فلمّا بلّغ هذا لليازوريّ قال له : أمهلني الليلة وبكّر إليّ . فبكّر إليه وهو خال ، فقال له : أعد عليّ قول ناصر الدولة . فأعاده ، فقال : أقره عنّي السلام ، وقل له : واللّه إلّا أدخل فيه ويكون لي خيره وشرّه ! فأبلغ ذلك ناصر الدولة ، فقال : هذا هو الصواب . [ ارتقاؤه الوزارة ] فلمّا كان بعد يومين قرئ سجلّه بالوزارة ولقّب بالوزير الأجلّ ، الأوحد ، المكين ، سيّد الوزراء ، وتاج الأصفياء ، وقاضي القضاة ، وداعي الدعاة ، علم المجد ، خالصة أمير المؤمنين . وخلع عليه في اليوم السابع من المحرّم فنظر في الوزارة ، ومضى فيها مضيّ الجواد ، ونهض مسرعا بنهوض غبّر به في وجوه من تقدّمه . وكاتب ملوك الأطراف فأجابوه بما يليق بقدره ووفور حقّه من الرئاسة ، ما خلا معزّ بن باديس صاحب إفريقيّة ، فإنّه قصّر به في المكاتبة عمّا كاتب به من تقدّمه من الوزراء . وكان يكاتب كلّا منهم ب « عبده » ، فجعل مكاتبته « صنيعته » . وكان لابن باديس بالقاهرة نائب « 1 » ، فاستدعاه اليازوريّ وعتب صاحبه وقال له : أظنّه انتقصني عمّن تقدّمني إذ لم أكن من أهل صناعة الكتابة . وإن لم أكن أوفى منهم ، فما أكون دونهم . ومن رفعه السلطان ارتفع وإن كان خاملا ، ومن وضعه اتّضع وإن كان جليلا نبيلا . فاكتب إليه بما يرجعه إلى الصواب . فكتب إليه بذلك ، وقد أذكى اليازوريّ عليه عيونا يطالعونه بما يتفوّه به . فلمّا وقف ابن باديس على كتاب وكيله ، قال : ما الذي يريد منّي هذا الفلّاح ؟ [ أن ] أكتب له « عبده » وهو أكّار « 2 » ؟ واللّه لا كان هذا أبدا ! وإنّ الذي كتبت إليه لكثير . فطالعه عيونه بقول ابن باديس ، فأحضر الوكيل وقال له : قد جرى صاحبك على عادته في الجهل ، فاكتب إليه بما يردعه ، وإلّا عرّفته بنفسي إذ لم يعرفني . فكتب إليه بذلك فأجاب بأقبح من الأوّل ، فدسّ إليه اليازوريّ من تلطّف حتّى أخذ سكّين دواته ، فلمّا وصلت إليه أحضر الوكيل ، وقال له : قد كنت أظنّ بصاحبك أنّ الذي حمله على ما كان منه نزوة الشبيبة وقلّة خبرة بما تقضي به الأقدار ، وأنّه إذا نبّه تنبّه . فإذا الجهل مستول عليه ، وظنّه
--> - 306 في سجن المقتدر ، فلا يمكن أن يكون معاصرا لوزارة اليازوريّ ، ولا نعلم للحسين بن حمدان ابنا يسمّى الحسن . ( 1 ) في الاتّعاظ 2 / 212 : هذا الوكيل للصنهاجيّ يسمّى أبا القاسم ابن الأخوة . ( 2 ) الأكّار : حرّاث الأرض .